facebook twitter google plus youtube instagram
الاردن بين أزمتي سوريا في الشمال والخليج في الجنوب
ثلاثاء, 07/11/2017 - 02:57

كتب عبد الحميد المجالي
هناك قاعدة ثابتة في السياسة الخارجية الاردنية تم اعتمادها بحكم الضرورة منذ عقود، وهي التروي وحسن التدبير، بل واجراء حسابات دقيقة قبل اتخاذ موقف من النزاعات الاقليمية والدولية . وفي الغالب لاتكون نتيجة هذه الحسابات اتخاذ موقف حاسم وثوري من هذه النزاعات، بل موقف يغلب عليه اللون الرمادي، ولاترى فيه اللونين الابيض او الاسود، فالسياسة اصلا لاتفضل هذين اللونين، لتعطي نفسها حرية المناورة والتحرك المرن .

ولم يكن اعتماد هذه القاعدة نوعا من الترف السياسي، بل استوجبته ظروف ومعطيات الدولة الاردنية المادية منها والمعنوية . فالاردن اذا ما قورن بالبلدان المحاددة له في الاقليم، او القريبة منه القادرة على التاثير فيه وعليه، بلد صغير في المساحة قليل في عدد السكان شحيح الموارد،وتشكل المساعدات الخارجية امرا حيويا في اقتصاده المتواضع، وكل ذلك يعتمد على بعض الجيران، وعلى من هم ابعد منهم، ممن يملكون الثروة والقوة المادية بمختلف اشكالها .

ولاشك ان الحكم في الاردن ومنذ تاسيس الدولة، يقيم الواقع الاردني على هذا النحو. واتخذ قراره بعد تفكير عميق بان الوسطية والاعتدال في السياسة الخارجية هي التي تلائم هذا الواقع، وان اللونين الابيض اوالاسود في هذه السياسة، سيجلب دون شك خسائر قد لايتحملها الواقع الاردني. ثم ان هذين اللونين لايمكن توقع نتائجهما في السياسة خصوصا، او في تاثيرهما على مقومات وجودية من مقومات الدولة كالامن وغيره، في اقليم وعالم لاينفذ من شروره الا الدولة الاكثر حذرا وذكاء وانسجاما مع واقعها، وهو ما ينطبق على الاردن الذي اجتاز بسفينته امواجا كالجبال،  اقتلعت عدة انظمة ودمرت دولا اخطأت في حساباتها . 

ولم يعتمد الحكم في الاردن قاعدة “الاعتدال الاضطراري” هذه وحدها في التعبير عن نفسه اقليميا وعالميا، بل تزامن ذلك مع صياغة قوة ناعمة للتعويض بعض الشئ عن النقص في القوة المادية او الخشنة . وقد تكفل بالقيام بهذا الدور اساسا، ملوكه الهاشميون منذ عهد الملك المؤسس، مرورا بالمغفور له الملك الحسين،الذي وصلت قوة الاردن الناعمة في عهده الى ذروتها . حيث كان المغفور له قد رسم ونفذ للاردن دورا اكبر من حجمه وقدراته المادية في المنطقة والعالم. وكان صلب هذه القوة ومضمونها الفعلي متمثلا في شخص الملك الحسين نفسه، بما يتمتع به من ذكاء وحضور وخبرة، بل وقدرة على ادارة الازمات بنجاح يثير الاعجاب، فقد كان العالم الخارجي يعرف المغفور له كشخص وملك، اكثر مما يعرف الاردن كبلد في الشرق الاوسط، وقد استمرت صناعة هذه القوة الناعمة على الأسس ذاتها في عهد الملك عبد الله الثاني، تلك الأسس التي استقرت في الوجدان السياسي الاقليمي والعالمي، كوسيلة من وسائل التعامل مع الاردن، كدولة شريكة في كل ماهو مهم في الشرق الاوسط .

هذه المقدمة عن اهم قاعدتين استقر التعاطي معهما في السياسة الخارجية الاردنية عبر عقود، ليس الا مقدمة لتقييم السياسة الاردنية تجاه ازمتين مهمتين في الاقليم وهما الازمة السورية في شمال الاردن والازمة الخليجية في جنوبه، فما دامت الاسس والقواعد في هذه السياسة قد تمت الاشارة لهما، فلا مبرر لتكرارها في سياق هذا التقييم . 

فالازمة السورية كانت ازمة غريبة في اطوارها وتطوراتها، بحيث لايمكن وصف مستقبل كل مرحلة من مراحلها الا بالمرحلة المجهولة في معطياتها ونتائجها، والتي لايمكن توقعها . اذ ان اكثر المتنبئين حصافة وعلمية، لم يكن يتوقع ان تتحول الثورة السورية الى حرب اهلية طاحنة تختلط فيها السياسة والطائفية والكراهية والتوحش، ويموت جراءها مئات الآلاف، ويلجأ الى دول الجوار وابعد منها ملايين السوريين فرارا من الجحيم، ورافق ذلك دمار مادي هائل، واخر للنسيج الاجتماعي اعمق واكثر منه كلفة . كما تحولت الازمة الى حرب اقليمية ثم دولية بالوكالة، تم بعدها تحييد السوريين نظاما ومعارضة، عن المشاركة في تقرير مصيرهم ومصير بلدهم .

في ازمة كهذه تحولت الى مستنقعات نتنة تفوح منها رائحة الموت والمؤامرات والطائفية والداعشية السياسية، ويتعمق فيها المجهول يوما بعد يوم، يكون الموقف الاردني من الازمة هو الرابح في النهاية، وخاصة عندما ادار ظهره لدعوات الانغماس في هذا الوحل، ووضع اولى اولوياته المحافظة على امن الوطن والشعب الاردني، ونجح في ذلك بكفاءة عالية. ثم استخدم علاقاته وقوته الناعمة في الاتفاق مع اعظم دولتين في العالم، على وقف اطلاق النار في المناطق القريبة من حدوده الشمالية، وهو انجاز لم تحققه بعد اي من دول الجوار السوري . 

وفي ازمة البيت الخليجي وقف الاردن في منتصف الطريق، ويمكن وصف هذا الموقف بانه منزلة بين منزلتين، ويعبر عن القاعدة الثابتة في السياسة الخارجية الاردنية، كما ان الاردن فهم من السياق العام للاجواء الخليجية، انه يجب ان لا يحشر نفسه بين البصلة وقشرتها كما يقال. فحتى المختلفين يريدون للازمة ان تبقى خليجية كمشكلة وكحل. ثم ان الاردن لم يكن من المنطقي ان يبتعد في موقفه عن تفاصيل الموقف الذي اتخذه من الازمة . فعلى سبيل المثال كيف يمكن للاردن ان يؤيد اهم مطالب الدول الاربع من قطر باعتبار جماعة الاخوان المسلمين جماعة ارهابية، وهو يسمح للجماعة بمشروعية العمل سياسيا ودعويا على اراضيه منذ اربعينيات القرن الماضي رغم ملاحظاته عليها ؟. 

واقع الاردن وظروفه بكل جوانبها، لاتقبل سوى مواقف كهذه، تنسجم معه وتتعمق في معطياته مهما كان حجمها وماهيتها . واي خروج على القواعد التي يفرضها هذا الواقع، يعتبر مغامرة غير محسوبة تقع تحت عنوان التهور والقفز في الهواء .     

اضافة تعليق جديد

لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر (وكالة وجه الاردن) jordanface.com الآراء والتعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط

© 2017 Developed by Jordan Face. All rights reserved